ابن أبي الحديد

236

شرح نهج البلاغة

ومعه جارية سوداء ، وصحيفة ، فقال : أفيكم كاتب ؟ قلنا : نعم ، وحضر غداؤنا ، فقلنا له لو دخلت فأصبت من طعامنا ! قال : إني صائم ، قلنا : الحر وشدته ، جفاء البادية ، فقال : إن الدنيا كانت ولم أكن فيها ، وستكون ولا أكون فيها ، وما أحب أن أغبن أمامي ، ثم نبذ إلينا الصحيفة ، فقال للكاتب : اكتب ولا تزد على ما أمليه عليك : هذا ما أعتق عبد الله بن عقيل الكلبي ، أعتق جارية له سوداء اسمها لؤلؤة ، ابتغاء وجه الله وجواز العقبة ، وإنه لا سبيل له عليها إلا سبيل الولاء ، والمنة لله علينا وعليها واحده . قال الأصمعي : فحدث بذلك الرشيد ، فأمر أن يعتق عنه ألف نسمة ، ويكتب لهم هذا الكتاب . وقال خالد بن صفوان ، بت ليلتي هذه أتمنى ، فكبست البحر الأخضر بالذهب الأحمر ، فإذا الذي يلقاني من ذلك رغيفان وكوزان وطمران ( 1 ) . ورأي رجل رجلا من ولد معاوية يعمل على بعير له ، فقال : هذا بعد ما كنتم فيه من الدنيا ! قال : رحمك الله يا بن أخي ، ما فقدنا إلا الفضول . وقال الحسن : يا بن آدم ، إنما أنت أيام مجموعة ، كلما ذهب يوم ذهب بعضك . قال يونس الكاتب : لو قيل بيت دريد في زاهد كان به جديرا : قليل التشكي للمصيبات ذاكر * من اليوم أعقاب الأحاديث في غد ( 2 ) وقال الحسن : ما أطال عبد الامل إلا أساء العمل . وقال رجل للفضيل بن عياض : ما أعجب الأشياء ؟ قال : قلب عرف الله ثم عصاه . قال وكيع : ما أحسنت قط إلى أحد ، ولا أسأت إليه ، قيل : كيف ؟ قال : لان الله تعالى قال : ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ) ( 3 ) .

--> ( 1 ) الطمر الثوب الخلق . ( 2 ) من كلمة له في ديوان الحماسة 2 : 308 يرثي أخاه عبد الله . ( 3 ) سورة الإسراء 7 .